بنك فلسطين
وطنية

زيادة عدد السجون لن يحل مشكلة الجرائم بقلم: هارون يحيى

هارون يحيى
هارون يحيى
تم نسخ الرابط http://mshreqnews.net/post/100826

 

زيادة عدد السجون لن يحل مشكلة الجرائم

بقلم: هارون يحيى

 

نُصادف كل يوم تقارير إخبارية عن قتل النساء، واغتصاب الأطفال، والاحتيال، والقتل المتسلسل، وأناس يرتكبون أفظع الجرائم. وفي عالم يرتفع فيه معدل الجريمة بشكل غير مسبوق، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن للحد من ارتكاب الجرائم، ضرورة وأهمية السجون، إذ يُعد العقاب الوحيد الذي نجد فيه المواساة في مواجهة تنامي الجريمة، هو إمكانية وضع المجرمين في السجن، حيث يدفعون ثمن اقترافهم للجرائم. وعلى الرغم مما تقوم به السجون، بتأمينها المجتمع وحمايته من أعمال المجرمين، ومنعهم من ارتكاب المزيد من الجرائم، إلا أن دورها لا يجب أن ينحصر في هذه الوظيفة فحسب، بل ينبغي أن نستفيد من السجون، ونستغلها أيضا كمراكز لإعادة التأهيل. وبالنظر إلى الارتفاع المذهل في معدلات الجريمة العالمية وعدد السجناء، فمن المهم التوصل إلى استغلال هذه الوظيفة التربوية بحيث يغادر المساجين هذه المراكز، بعد انتهاء مدة عقوبتهم، كـ "أشخاص أعِيد تأهيلهم، مع إمكانية اعتبارهم أفرادا أسوياء يتصرفون بشكل طبيعي ومعقول ومتزن، يساهمون كقوة عاملة، تعود بالنفع على المجتمع، والأهم من ذلك كله، ألا يشكلوا خطرا على المجتمع.

لكن هل باستطاعة السجون فعلا خدمة هذا الغرض؟ للأسف يبدو أن الجواب على هذا السؤال هو "لا".

ثمة مؤشرٌ واضحٌ على أن السجون تفقد تدريجيا وظيفتها المتمثلة في منع الجريمة، وبينما نشهد في العديد من بلدان العالم، ارتفاع عدد الجرائم المرتكبة، أصبحت السجون تدريجيا مجرد أماكن يكدس فيها السجناء، والأسوأ من ذلك، أصبح المجرمون يزدادون حنكة ودهاء وأكثر كفاءة في ارتكاب جرائمهم بفضل احتكاكهم ببعضهم البعض وأصبحت المنظمات الإجرامية تعمل في وضح النهار. وتبين الأرقام أن في الولايات المتحدة الأمريكية، 43٪ من السجناء المفرج عنهم في عام 2005 أعيد اعتقالهم بعد عامين، و77٪ منهم عادوا إلى السجن من جديد بعد خمس سنوات (1).

ويُلاحظ أن أحد أهم أسباب فقدان السجون لوظائفها هو تزايد معدل الجريمة، لأنه مع ازدياد عدد الجرائم، يزداد بطبيعة الحال عدد إدانات المجرمين. فعلى سبيل المثال، بلغ عدد السجناء في جميع أنحاء بريطانيا في فترة التسعينات، 40 ألف سجين، في حين وصل هذا العدد اليوم إلى ما يقرب من 86 ألف، وهذا الوضع يستدعي بناء سجون جديدة، لكن لا تستطيع بلدان كثيرة، بسبب ارتفاع التكاليف، فعل ذلك، مما يزيد في خطورة وضع السجون، نظرا لما تعانيه من اكتظاظ كبير.

وتبين البحوث أن عدد الضباط في السجون البريطانية أقل بنسبة 40٪ مما ينبغي أن يكون عليه، ونظرا لانخفاض عدد الموظفين في هذه المؤسسات العقابية، يُحرم السجناء من مزاولة أنشطة مثل العمل والتعليم والصحة والرياضة (2).

نفس الوضع ينطبق على الولايات المتحدة، فبينما يشكل عدد سكان الولايات المتحدة واحد من عشرين، من مجموع سكان العالم، يبلغ عدد السجناء في هذا البلد وحده ما يعادل ربع عدد السجناء في العالم أجمع، حيث يقضي أكثر من 2.3 مليون شخص في الولايات المتحدة فترة من فترات حياتهم مدة معينة في السجون. ومن المؤشرات الأخرى التي تبين أن السجون لم تعد قادرة على منع ارتكاب الجريمة، الزيادة الملحوظة في عدد الجرائم المرتكبة داخل السجون نفسها.

إن تفشي ظاهرة العنف يعزز نشاط العصابات وأعمال الشغب داخل السجون مما يؤدي إلى ارتفاع عدد الوفيات. لقد تحولت مواجهة دموية بين عصابات المخدرات المتنافسة في مقاطعة أمازوناس البرازيلية إلى أعمال شغب، راح ضحيتها 56 شخصا، قُتل خلال هذه الاضطراب ستة أشخاص بفصل رؤوسهم عن أجسادهم. (3)

وفي ظل هذه الظروف الحرجة، تحاول بعض البلدان التخفيف من عدد الجرائم عن طريق فتح المزيد من السجون، وتوظيف المزيد من ضباط السجون، وزيادة عدد ضباط الشرطة في الشوارع، غير أن هذه التدابير لا تزال غير كافية، وتستمر معدلات الجريمة في ارتفاع بسرعة.

إن ما ينبغي القيام به ليس زيادة قدرة استيعاب السجون بل اتخاذ تدابير وقائية فعالة لمكافحة الجريمة.

في إطار مكافحة الجريمة، لا يكفي تشديد العقوبة على الجريمة، بل ينبغي تركيز الجهود للقضاء على الجريمة برمتها، لهذا السبب، لا مناص من اعتماد نظام تعليمي يقضي على الأيديولوجيات المضرة بالمجتمع. ومن الممكن، في حالة اعتماد برنامج تعليمي روحاني وعلمي، يُركز على تنمية مشاعر المحبة والولاء واستيعاب الوعي الوطني، وتوجيه المجتمعات، والارتقاء بها من موضع الكراهية إلى المحبة، يمكن أيضا تغيير تصورات المجتمع بسهولة من خلال الاستفادة من وسائل الإعلام وغيرها من الوسائط الإعلامية. ومن شأن إيجاد حلول عادلة للمسائل المهمة التي يعاني منها المجتمع، مثل الفقر والبطالة وما إلى ذلك، أن يساعد أيضا في تحقيق هذا الهدف، من جهة أخرى لا ينبغي أن ننسى أن مشكلة الكراهية هي التي تقود الناس إلى ارتكاب الجرائم في المقام الأول، وما دامت الحكومات والمجتمعات لا تحدد برنامجا مخصصا للقضاء على مشاعر الكراهية أولا، فمن غير المرجح أن تؤدي الحلول التقنية وحدها إلى حلول طويلة الأمد وذات مغزى.

انتهى