بنك فلسطين
وطنية

تبرير الحروب لن يجلب السلام أبدا بقلم هارون يحيى

هارون يحيى
هارون يحيى
مشاركة
تم نسخ الرابط http://mshreqnews.net/post/105791

تبرير الحروب لن يجلب السلام أبدا

بقلم هارون يحيى

إن تاريخ البشرية يمتلئ بمآسي الدمار الهائل الناجم عن الحروب. من بين 9.5 مليون شخص قتلوا خلال الحرب العالمية الأولى، شكل الجنود نسبة 95٪ منهم، مقابل 5٪ من المدنيين، أما في الحرب العالمية الثانية، بلغ إجمالي عدد الضحايا 65 مليونًا، من بينهم 33٪ فقط من الجنود بينما كان يشكل المدنيون نسبة 67٪. ويقدر إجمالي الإنفاق على المعدات العسكرية والأسلحة أثناء الحرب العالمية الثانية بأكثر من 1.154 تريليون دولار، أما تكلفة الدمار الذي أحدثته هذه الأسلحة، فهي أكبر بكثير من هذا العدد الهائل.

وفي إطار جهودهم الرامية إلى التقليل من مخلفات الدمار الناجم عن الحروب، قامت مجموعة من السياسيين والفلاسفة والأكاديميين والدبلوماسيين بعمل مكثف، ركز على مبادئ وقوانين الحروب.  وتمخض عن هذا العمل فكرة رئيسية ترى أنه من الضروري أن يكون الهدف النهائي المتوخى من الحروب، هو إرساء السلام وتحقيق العدالة؛ ومن هذا المنطلق، وضِعت مجموعة من المبادئ، نذكر جملة منها على النحو التالي:

- يجب أن تكون الحرب من أجل قضية عادلة، وأن يكون سبب الحرب، جبر الضرر.

-  لا تشن الحرب إلا بعد استنفاد جميع الخيارات غير العنيفة الأخرى بحيث تكون الحرب الملاذ الأخير.

- يجب أن تكون الحرب متناسبة من حيث الكثافة، مع هجوم المعتدي.

- يجب التمييز بكل وضوح بين المقاتلين وغير المقاتلين من أجل منع وقوع إصابات بين المدنيين.

- يجب الحفاظ على قيم ومعايير الإنسانية طوال الحرب، بعبارة أخرى، لا تجوز إساءة معاملة أسرى الحرب أو تعذيبهم.

رغم الإجماع الحاصل عالميا حول هذه المبادئ، وبالنظر إلى التاريخ الحديث، لا يمكننا القول بأن هذه المبادئ مطبقة تطبيقا شاملا، ورغم مرور 50 عاما منذ ذلك التاريخ، وإنشاء الأمم المتحدة، التي تأسست بهدف تسوية النزاعات التي يحتمل أن تؤدي إلى نشوب الحروب، فإن الدمار الظالم والشامل الناجم عن الحروب استمر مستعرا بلا هوادة. إن بعض مساعي الدول إلى افتعال حجج لشن الحرب بدلًا من أن تكون مجبرة عليها، دفاعا عن قضية عادلة، قد لعبت دورًا رئيسيًا في هذا الأمر.

لا يمكن، على سبيل المثال، اعتبار أنه من المعقول شن هجوم على أفغانستان بأكملها دون تمييز بين الإرهابيين والمدنيين، بحجة معاقبة القاعدة على هجمات 11 سبتمبر، فضلا عن أن الهجوم نُفِذ في المقام الأول، حتى من دون موافقة الأمم المتحدة. وفي الفترة الممتدة بين أكتوبر 2001 وانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في أبريل 2014، لقي ما يقرب من مليون شخص حتفهم، وكانت الغالبية العظمى من الضحايا مدنيين، إلى جانب ذلك، أدى التدخل الأمريكي إلى زيادة زعزعة الاستقرار في أفغانستان، تاركًا وراءه دولة مدمرة ومنهارة، حولت الملايين من مواطنيها إلى لاجئين، إلى جانب عدم إنجاز الهدف المعلن "بتحييد القاعدة"، بل ما حدث كان العكس تماما، مع انتشار عدد لا حصر له من المنظمات المستبدة التي لا تعرف الرحمة، بينما انتشر الإرهاب في جزء كبير من العالم، من أفغانستان إلى حدود ليبيا.

وحدث وضع مماثل في العراق أيضا، لقد تبين أن الادعاءات التي سبقت غزو العراق بحجة امتلاك هذا البلد للأسلحة كيميائية، كانت كاذبة. ولقي أكثر من مليوني شخص مصرعهم في العراق، ما بعد الغزو. وبعد هذين الحربين، تعرض المعتقلون في سجن أبو غريب وغوانتانامو للتعذيب الشديد في انتهاك صارخ لقوانين الحرب. واليوم، لم يتحقق بعدُ الاستقرار الكامل في العراق، في حين انتشر الإرهاب إلى سوريا، مما أدى إلى نشوب حرب، خلفت أكثر من 700 ألف قتيل في سوريا فقط.

فشلت التدخلات اللاحقة في الشرق الأوسط فشلا صارخا في إحلال السلام والاستقرار في المنطقة، وإن تحقق شيء يذكر، فهو أنهم حولوا المنطقة إلى مرتع للحركات المتطرفة المزدهرة. وأدت محاولة القضاء على تنظيم القاعدة من خلال أساليب القوة الغاشمة، إلى ظهور منظمات جديدة في نهاية المطاف، مثل داعش وبوكو حرام والنصرة، وبلغت ذروتها في شكل دوامة من العنف لا تزال مستمرة حتى الآن، من دون حلول.

في هذه المرحلة، يوجد شعور متنامٍ لدى بعض المسلمين، يرون أن التدخّلات في أفغانستان والعراق وليبيا واليمن وسوريا بدلًا من أن تكون من أجل القضاء على الحركات العنيفة، كانت تهدف في الواقع إلى تدمير الإسلام، ومن نافلة القول أن هذا التصور يحمل في طياته خطر اندلاع مجموعة من الحروب الجديدة.

يكمن السبب الرئيسي وراء ظهور الجماعات المتطرفة في دول الشرق الأوسط والبلدان التي تواجه عمليات احتلال تحت ذرائع كاذبة، في الانتشار الواسع للتفكير الخرافي والمعتقدات البالية، التي تعزز شيوع العقلية الراديكالية، وكثيرا ما تكون الدول التي تعتبر المرأة مواطنًا من الدرجة الثانية وتفتقر إلى شعور راسخ بالوعي القومي، مستهدفة من قبل القوى الأخرى، وعادة ما تكون الدول المتخلفة علميًا وفنيًا، والتي تقلص حيز الحريات من خلال لجوئها إلى الأساليب القمعية، عرضة إلى حد كبير للثورات والاحتلال والاستغلال، لأنها تحفز شهية القوى الطامعة فيها، بحيث تجد الناس في هذه الدول أكثر عرضة للاستفزازات، ولكل هذه الأسباب، تنجح هذه الأطراف بشكل غير نزيه في تحقيق أهدافها.

كيف يمكن إذن القضاء على هذا التهديد؟ تتمثل الخطوة الأولى الواجب اتخاذها، في التوضيح في جميع أرجاء العالم الإسلامي، أن القيم التي يرتكز عليها التصور الإسلامي المتعصب تتعارض مع القرآن الكريم، وفي بناء سياسة تعليمية شاملة وسريعة. ومن شأن مثل هذه المقاربة أن تقضي ليس على تهديد التطرف فحسب، بل ستساعد أيضًا في تعزيز عقلية سلميّة ديمقراطية علمانية تدعو إلى الحرية داخل بوتقة العالم الإسلامي، مثلما يدعو إليها جوهر الإسلام، وهو القرآن الكريم. هذه هي الطريقة الوحيدة لوقف صعود الراديكالية والجماعات الإرهابية.