بنك فلسطين
وطنية

جاء ليسرق منا فسرقناه!

533.jpg
533.jpg
تم نسخ الرابط http://mshreqnews.net/post/127706

مفالات - المشرق نيوز

مدون/ صلاح الدين حفافصة

قصة حدثت مع سيدنا مالك بن دينار حينما أراد لص أن يسرق ما في بيته، فناداه مالك: إنّك لم تجد شيئا من الدنيا، أفترغب في شيء من الآخرة؟، قال اللّص: نعم، فقال له: توضأ وصل ركعتين ففعل، ثم جلس وخرج إلى المسجد، فسُئل الإمام من هذا؟، فقال تلك المقولة التي تنمّ عن علم واسع وبصيرة نافذة.. إنّ هذه القصة تمثل درسا في الدعوة إلى الله، وتبين أنه يجب على الداعي أن يكون قلبه خاليا من الحقد والبغضاء وأن يعطف على الناس على مختلف مكاناتهم الاجتماعية، فكم من لص وشارب خمر وبائعة هوى تابوا ورجعوا إلى دينهم بسبب كلامٍ لامس قلوبهم وأفعالٍ طيّبت خواطرهم المكسورة

إنّ الدعوة إلى الله إضافة إلى اللّين والمحبة يجب أن تكون عن بصيرة وعلم، فلا ينبغي أن يتصدّر لها كل جاهل أو أحمق، بل يجب أن يكون إنسانا قد انكبّ على إصلاح نفسه وتعب في ذلك وصار له رصيد من العلم الشرعي والدنيوي ويجيد طرق الإلقاء وفن الاستماع والحوار. وكثير من الدعاة اليوم يمكن أن نقسّمهم حسب نمط دعوتهم وطريقتهم في الأخذ بيد الناس، فمنهم من همّه الشهرة والظهور على الشاشات وزيادة الأصفار في حسابه البنكي وهؤلاء هم أكّالي السّحت بما أعطاهم الله من بعض العلم والمعرفة فباعوا أنفسهم بثمن بخس دراهم معدودات، وآخرون لا يمارسون مجال الدعوة إلا لمن ينتمي إلى نفس أفكارهم ومعتقداتهم وأحزابهم، وآخرون التزموا بيوتهم وقالوا لا يضرّنا جهل الناس أو ما هم غارقون فيه من خرافة وانحلال وهؤلاء مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا، فلا نفعوا الناس ولا نفعوا أنفسهم

من هنا يظهر جليّا أنّ الداعي إلى الله يجب أن يتوفر على بعض الشروط والخصائص التي تمكّنه من أداء هذه المهمة النبيلة على أكمل وجه، أول تلك الشروط أن تكون نيته خالصة لوجه الله عز وجل ورضاه وأن يحاول دائما تجديد نيّته ويصفّيها مما يشوبها من نواقص وشهوات دنيوية فانية، ثانيا أن يكون إنسانا سويا في تفكيره غير متعصب لفرقته أو طريقته، ثالثا أن يحوز على نصيب لا بأس به من العلوم الشرعية وبعض العلوم الدنيوية التي لا بد منها لمخاطبة العامة بلغة عصرهم التي يفهمونها، رابعا أن يسير على منهج النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام في طرق الدعوة إلى الله التي كانت عن طريق الحكمة والموعظة الحسنة.. "ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"

ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته قد مرّت بمراحل، كانت في أولها مرحلة استضعاف ثم ابتلاء وتمحيص، ثم تمكين مع خوف، ثم تمكين مع استقرار وأمان، وهذا غالبا ما سيلاقيه الداعية إلى الله في بعض البلدان التي تحارب دين الله عز وجل، فلا سبيل له إلا الصّبر وتحمّل الأذى حتى يمكّن له بعد ذلك، قال الله تعالى: "أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّه"، قال فيها العلامة الطاهر ابن عاشور رحمه الله تعالى: فهذا النصر المأمور به هنا نصر دِين الله الذي آمنوا به بأن يبثّوه ويَثْبُتوا على الأخذ به دون اكتراث بما يلاقونه من أذى من المشركين وأهلِ الكتاب. وحتى الجن لما سمعوا القرآن ولّوا إلى قومهم منذرين ولم يأبهوا بتكذيب قومهم لهم، فقبل الشروع في الدعوة استمعوا –أي الجن- وأنصتوا للعلم وفهموه وانطلقوا في الحين للإنذار والدعوة، فلنا في الجن عبرة

وبعض الدعاة اليوم من غرق في الاهتمام بالجانب العاطفي عند الناس، فتجده يصوّر المقاطع الحزينة المعبئة بالآهات، ويكثر من الأحاديث الضعيفة ويمارس أسلوب الترهيب والترغيب لحدّ مبالغ فيه، فيشعر العامي عندما يستمع لكلامه بالخوف والاضطراب، فتنهمر دموعه ويعلنها توبة صريحة من كل الآثام، وما يلبث أن يعود إلى ما كان عليه من قبل، حتى يشاهد المقطع مجددا، وتستمر هذه الحالة ولا يخرج العامّي منها بفائدة تُرجى ويبقى في دائرة مغلقة.

لهذا فإنّ أهم ما يبُدأ به في الدعوة إلى الله والتركيز على نشره بين الناس هو العقيدة الصحيحة الصافية، فإنها إذا ما دخلت في القلب وامتلأ بالتوحيد واستنار بنور ملّة ابراهيم فسيحدث تغيير جذري في حياة الانسان شكلا ومضمونا، وتكون مفتاحا له لتعلم دينه وسنة نبيه، ولربما أصبح هو من يعلّم الناس ويدعوهم بدوره، فالعقيدة أول ما يُبتدأ به في الدعوة ولا يقدم شيء قبلها أبدا وبعدها تأتي الأخلاق الحميدة والعلوم بشتى أنواعها، فتأتي العقيدة ثم الأخلاق –التربية- ثم العلم، "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي".

وهناك نقطة لا ينبغي إغفالها، وهي ممارسة الدعوة بالوسائل التكنولوجية الحديثة، فقد ولّى زمن التلفاز والمذياع والصّحف، فعلى الدعوة أن تكتسح فضاء الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، ففيها عشرات الملايين بل مئات الملايين من المسلمين وغير المسلمين، فتكون الدعوة للمسلمين من خلال حثّهم على الرجوع إلى دينهم وتعليمهم العقيدة الصحيحة، ودعوة غير المسلمين إلى الفطرة ورد شبهاتهم وإعطاءهم الصورة الكاملة الحقيقية عن دين الإسلام التي شوهتها بعض الأطراف عن عمد أو عن غير عمد.

وقد أشارت بعض الدراسات إلى أنه في اليابان مثلا يوجد نقص شديد في الدعوة إلى الإسلام بسبب تخاذل المسلمين في هذا المجال، وعدم وجود دعاة أو مواقع تستهدف الشعب الياباني الذي لديه قابلية كبيرة لقبول الإسلام لولا تكاسل المسلمين في إيصال صوت الدعوة، وقس على ذلك باقي الدول الآسيوية والأفريقية التي تحتاج دعاةً وجمعيات ومنظمات ترشدها إلى الدين الحنيف، والباب مفتوح اليوم لنشر الإسلام بالعلم والحجة والبيان أكثر من أي وقت مضى، "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".

هذا من الجانب الواسع للدعوة، أما الجانب الآخر فهو الدعوة على مستوى الأفراد العاديين الذين يرغبون في تغيير ما بأمّتهم من وهن وضعف وجهل، فهذه الدعوة واجبة على كل مسلم عرف دينه حق المعرفة، فيبدأ بدعوة أهله وخلاّنه وزملاءه في الدراسة أو العمل، ولو طبّق كل واحد منا هذه الطريقة لحدث خير كثير، ولانتشرت الدعوة في كل مكان، ولصلح حال المجتمع أضعاف أضعاف عما هو عليه الآن.

وللدعوة بكافة أشكالها فضل عظيم وأجر كريم لمن يقوم بها، وهي سبب للنجاة والفلاح يوم القيامة، وهي كذلك اتباع للأنبياء والمرسلين الذين كانوا دعاة لله مؤزّرين بالوحي، ونحن ولله الحمد لا يزال الوحي ماثلا أمام أيدينا بدون تحريف وسيبقى هكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلنبادر ولا نختلق الأعذار الواهية، ولنمض لنشر الدعوة وإعادة الصّحوة الإسلامية من جديد بروح عصرية حديثة متسامحة ومبنية على العلم والأخلاق والأصالة.