بنك فلسطين
وطنية

ذات الرداء الأخضر.. بين ضلوعي يسكن الألم!

image003.jpg
image003.jpg
تم نسخ الرابط http://mshreqnews.net/post/127707

غزة /المشرق نيوز

بعد أكثر من شهر ونصف على إصابتها برصاص الاحتلال الإسرائيلي، لا يزال الألم يسكن جسم المواطنة الفلسطينية مالينا الهندي (34 عاما) ويعيق مسؤوليتها في رعاية أسرتها.

مالينا أم لستة أطفال، أصابها قناص إسرائيلي برصاصة اخترقت الجانب الأيمن من بطنها، واستقرت بشظاياها في ظهرها لتبقى مبعثًا للمعاناة والقلق، وتذكارًا للحظات صعبة كادت تفقدها حياتها، وشاهدًا على أحد أبرز أشكال العنف الذي تعانيه نساء فلسطين في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة.

تفاصيل الحادثة تبدو حاضرة في ذاكرة الجريحة الفلسطينية كأنها اليوم، وكيف لا تكون حاضرة وآلامها تنبض وجعًا في كل لحظة.

image002.jpg
 

تقول لباحث المركز: "مساء الجمعة في 26 أكتوبر الماضي كنت أشارك كما أفعل في كل جمعة في مسيرة العودة شرق بلدة خزاعة، هذه المرة انتقلت التظاهرة من مكانها المعتاد شمال مخيم العودة إلى الجنوب الشرقي منه تحديدا مقابلة حفارات الاحتلال".

عصر ذلك اليوم بدت الأمور ساخنة، فانتقال التظاهرة لمكان جديد أشعل غضب قناصة الاحتلال الذين انتقلوا على عجل قبالة المكان، وباشروا بإطلاق الرصاص الحي بكثافة تجاه المتظاهرين.

جريح تلو جريح يسقط، تتوارد الأنباء عن قتلى يعلو في المكان صوت صفارات سيارات الإسعافات التي لا تتوقف حركتها من المكان باتجاه المستشفى الميدان.  تتقدم مالينا شرقا ترفع علم فلسطين وتقترب كما اعتادت من الشريط الحدودي مع إسرائيل.

تصمت قليلا ويبدو التأثر على وجهها وهي تضيف "كنت أرفع علم فلسطين، تقدمت قرب السياج الحدودي حول عدد من المتظاهرين، قناصة الاحتلال الذين يتمركزون على التلال الرملية داخل الشريط الحدودي من مكانهم كانوا يشاهدوني بوضوح لم أكن أشكل خطرًا عليهم، لا أنا ولا غيري من المتظاهرين".

انتبهت مالينا على قوات الاحتلال تطلق وابلا من قنابل الغاز تجاه المكان، فالتفتت لتنبه مجموعة من المتظاهرين تواجدوا في محيطها فإذا بضربة قوية تصيبها في جانب بطنها الأيمن. تقول ملينا "لم أدر لحظتها ماذا حدث.. كان الألم شديدًا بدأت أجري لأبتعد عن المكان ومع كل خطوة يزداد الألم".

تحسست جانبها بيدها اليمنى وبدا الألم على ملامح وجهها وهي تضيف "نجحت في الوصول لتلة رملية يتواجد خلفها مجموعة أخرى من المتظاهرين، وانتبهت لوجود انتفاخ ودماء مكان الضربة. تملكني الألم والوجع، وبسرعة تقدم نحوي مجموعة من المسعفين ونقلوني عبر حمالة إلى إحدى سيارات الإسعاف".

في تلك اللحظة بدأت صور أطفالها واحدا تلو الآخر تظهر في مخيلتها كشريط تلفزيوني، وبين الوعي واللاوعي بدأت تحدث رفيقتها التي صعدت معها في سيارة الإسعاف "ديروا بالكم على أطفالي".

أشاحت بوجهها لتداري عبرات تسللت من مقتليها وهي تضيف "أكبر أبنائي في الصف العاشر، وأصغرهم في الخامسة، شعرت أنها ربما تكون نهايتي فخفت على أبنائي من سيكون معينا لهم لو جرى لي شيء، لذلك كانت وصيتي لرفيقتي الاهتمام بهم".

في النقطة الطبية التي كانت تغص بعشرات الإصابات (حصيلة الضحايا في تلك المنطقة ذلك اليوم بلغت 3 قتلى و52 مصابا وفق توثيق المركز) تبين أن مالينا أصيبت بعيار ناري في بطنها بلا مخرج،  وكانت حالتها خطرة، نقلت سريعا إلى مستشفى غزة الأوروبي في مدينة خانيونس.

تبين أن العيار الناري استقر في ظهرها وإحدى شظاياها قريبة من الكلية، صنفت حالة خطيرة، لكن قدر الله كان رحيمًا.

على مدار يومين مكثت في العناية الفائقة، وأهلها ينتظرون ما يطمئنهم حتى بدأت الحالة تستقر. ولكن الأطباء أبلغوها بوجود خطر في إزالة الرصاصة والشظية خشية وقوع نزيف في هذه المرحلة، نقلت إلى مستشفى ناصر لأيام أخرى لتكون أقرب إلى منزلها الذي يقع في البنايات المحاذية للحي النمساوي خلف المستشفى تماما.

بعد أيام من العلاج، عادت تحمل بين جنباتها الرصاصة وشظيتها والألم للمنزل الذي تحمل جدرانه الخارجية حتى الآن آثار رصاص الاحتلال منذ 13 عامًا، عندما كان عرضة لإطلاق نار مستمر من المواقع الإسرائيلية داخل ما كان يعرف بمستوطنة نفيه دقاليم التي أخليت في العام 2005.

آهٍ صرخة وجع كتمتها أم هيثم" مالينا"، وهي تروي معاناتها مع إصابتها الثالثة خلال مسيرة العودة، تكمل حديثها "الألم يشتد علي كثيرًا، أشعر أن هناك جسمًا غريبًا داخل جسمي، أعباء البيت أتحامل على أوجاعي للقيام بها، أضطر للراحة خلال عملي".

في الليل وفي البرد يزداد الألم وتشعر مالينا أن جرحها مفتوح، تتأمل صغارها وزوجها وتقول: "أبلغني الأطباء أنني بحاجة إلى عملية جراحية لم يحدد موعدها بعد، لكني لا أتوقف عن القلق عليهم فهم يعتمدون علي بالكامل".

يوافقها زوجها هاني حمدي الهندي (38 عاما) وهو موظف في السلطة الفلسطينية محال للتقاعد، ولم يسلم هو الآخر من الإصابة برصاص الاحتلال.

يقول: "أصابني رصاص الاحتلال في 10 أغسطس الماضي خلال مشاركتي في مسيرة العودة في بطني ورجليّ، الحمد لله تماثلت للشفاء تقريبا، وكذلك أصيب ابننا مؤيد، 13 عاما ولكن حالته كانت خفيفة، والأصعب علينا إصابة أم هيثم لأنها عماد وعامود البيت".

مالينا وهاني من الوجوه المألوفة بين المتظاهرين في مسيرة العودة شرق خزاعة، شرقي خانيونس، وسبق أن التقط باحث المركز لهم العديد من الصور في أماكن التظاهرات، لمشهدهما المميز.

فمالينا اشتهرت بأنها ذات الرداء الأخضر، المتوشحة بالكوفية تتقدم دوما لأقرب النقاط من الشريط الحدودي مع إسرائيل، تلوح بعلم فلسطين مقابل قوات الاحتلال، وزوجها كذلك دائم المشاركة بطربوشه الطويل الملون بعلم فلسطين، وفي يده هو الآخر علم فلسطين يلوح به وحوله أطفاله الصغار.

مالينا اللاجئة الفلسطينية التي تعود جذورها لبلدة المجدل تقول: "أشارك باستمرار، بالنسبة لي هذا عمل وطني، أحلم بالعودة وكسر الحصار، لذلك أشارك كل جمعة مع جميع أفراد أسرتي، حتى بعد إصابتي شاركت".

تبتسم وهي تتحدث عن شعورها وهي تتقدم لمسافات قريبة من السياج الحدودي: "أنا أحمل العلم، لا أشكل أي خطر عليهم (جنود الاحتلال)، هم يعلمون ذلك يشاهدونني بوضوح لأنني أتواجد في منطقة مكشوفة".

تستدرك "لكنهم غادرون أصابوني في السابق مرتين بقنابل الغاز في يدي اليمنى التي لا تزال تحمل آثار الحروق كان ذلك في 4 مايو وفي 8 يونيو، ولكن الإصابة الأخطر كانت الثالثة، لماذا أصابوني؟ وأنا لا أشكل أي تهديد عليهم".

زيارتنا لمنزل الهندي تصادفت مع حلول اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة الموافق الخامس والعشرون من نوفمبر/ تشرين ثاني، وهو اليوم الذي أقرته الأمم المتحدة في ديسمبر 1999 سعياً للحد من العنف الممارس بحق النساء والفتيات في العالم أجمع.

"أي عنف أكثر من الذي يمارسه الاحتلال بحقنا"، تقول مالينا وهي تشير إلى حالتها وغيرها من النساء ضحايا قناصة إسرائيل في مسيرات العودة.

ووفق توثيق المركز، فقد استخدمت قوات الاحتلال القوة المفرطة في مواجهة تظاهرات مسيرة العودة، بما في ذلك إطلاق الرصاص الحي، وقنابل الغاز المسيل للدموع، مما أسفر عن مقتل (175)  مدنياً، منهم المسعفة المتطوعة رزان النجار (21 عاما)، أثناء تأديتها عملها بإسعاف الجرحى، والطفلة وصال الشيخ خليل (15 عاما) وأصيب (9621) آخرين، بينهم (256) امرأة، حتى تلك اللحظة.

وقد دفعت النساء ثمناً باهظاً لقمع الاحتلال لهذه المسيرات ليس فقط بما تعرضن له بشكل مباشر، بل أيضاً من خلال تعرض أبنائهن وأزواجهن للموت أو الإصابة وما يستتبعه ذلك من معاناة مضاعفة للمرأة بفقد السند والمعيل.

ومع ذلك تبدي مالينا تصميما هي وزوجها على الاستمرار في المشاركة بالتظاهرات دون أن يغادرها أمل حلم العودة وكسر الحصار، محاسبة الاحتلال وتحقيق الإنصاف.