الاتصالات
الوطنية هيدر

عمار يا بلد .. كتب خالد بطراوي

مشاركة
تم نسخ الرابط http://mshreqnews.net/post/82599

صراحة، فانني أكره هذه العبارة لدرجة أنني أنا المعارض لعقوبة الاعدام على أتم الاستعداد لشنقها في الساحة الرئيسية في المدينة.

 

عبارة يرددها كثيرون على صفحات التواصل الاجتماعي، ينتقدون وينتقدون وينتقدون، يجلسون في المقاهي ولا " يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب". وأن كانوا لا يفعلون سوى ترديد هذه العبارة ويحتسون " النسكافيه" فانهم ينتقدون الذين لهم في أرضهم ما يعملون.

 

يصدقون الأخبار غير الموثقة، وغير المنطقية، بل ويضخمونها ويبهرونها ويفلفلونها. ان حدثت حادثة منفردة كخطف شنطة سيدة تسير في الشارع لا يرون الحدث في اطار منفرد ضيق، وانما يلجأون الى التعميم وابداء أشد الاستياء من هذه " الظاهرة" بل وحتى تحذير أقاربهم من النساء من السير في الشوارع، وسرعان ما يكتبون ما يكتبون مذيلا بعبارة " وعمار يا بلد".

 

ينتقدون أداء الجهات الرسمية وغير الرسمية، لا يطرحون مطلقا رؤى محددة تشخص الحالة المحددة وتضع تصورات لحلول عملية وعلمية، رغم أنهم مبدعون في التشخيص والتحليل. وحتى لو توصل البعض منهم الى رؤيا تتعلق بخطوات عملية، فان هذه الخطوات بعيدة عن مشاركتهم كل البعد.

 

هذه الحالة لا تنطبق على الواقع الفلسطيني فحسب، بل تتعداه الى العالم العربي بشكل عام، فينبري لنا أحدهم أو احداهن في منفاه الاختياري العاصمة الفرنسية أو البريطانية ويدعو أبناء شعبه في سوريا او العراق مثلا الى الصمود والثبات والتصدي للمؤامرة حتى لو أدى ذلك الى التضحية بالروح، بينما هو وعائلته يبحثون في خمارات باريس عن ثأرهم كما قال الراحل نزار قباني ذات يوم.

 

ضحكت من صديق لي ذات يوم، قال لي أن الوضع وصل الى مرحلة من التردي التي تستدعي حالة من الاستنهاض حتى لو أدى ذلك لأن يضحى هو بولده. قلت له " لماذا لم تفكر أن تضحي بنفسك".

 

هي أحدى المعادلات .. مستعدون للتضحية بدماء الغير، ليس لديهم مانع أن يضرب عن الطعام غيرهم طالما أن ذلك يخدم المسيرة النضالية المشتركة، وما الضرر أن يدخل بعضهم بسياراتهم الى فلسطيننا الداخل بموجب تصاريح لسياراتهم يمنحها لهم الاحتلال.

 

هناك أيها ألأحبة مقرات اللجان الشعبية في المخيمات، وهناك الأندية والمؤسسات الشبابية وغيرها تحتاج للجميع متطوعين، وصدقوني ستجدون عندها الشاي بالنعنانع والمرمية والأعشاب والقهوة بالمجان، ودفء القلب أيضا وهو الاهم.

 

هناك مجالس الهيئات المحلية بحاجة الى جهودكم ضمن لجان استشارية، هناك حاجة لبث روح التطوع كل في اختصاصه، ولا داعي الى اعداد مشاريع " Proposals" أو دراسات جدوى "Feasibility Studies" أو غيرها من المصطلحات.

 

أسير في شوارع المدينة ليلا مشيا على الاقدام لزوم مكافحة السكري وتقوية عضلة القلب، أجد سياراتهم أمام المقاهي عالية الأسعار، وأرتعب في داخلي وأنا أرى عند أبواب سياراتهم علب الدخان الفارغة التي يلقونها ما أن يترجلوا حتى أنهم لا يكلفون أنفسهم عناء القاء هذه العلب في الحاوية ولا يقدرون جهد عامل النظافة، ومن داخل هذه المقاهي يرسلون رسائلهم الالكترونية عبر شبكات التواصل الاجتماعي ينتقدون نفايات المدينة ويذيلون انتقاداتهم بعبارة " وعمار يا بلد".

 

في السابق .. قالوا أن هناك أشكالا للنضال من ضمنها النضال السياسي وأرقى أشكاله الكفاح المسلح، وأذكر في الانتفاضة الأولى أنني أضفت شكلا جديدا من أشكال النضال أسميته " نضال الفاكس" عندما بدأت تردنا "أوامر" عبر الفاكس كان أحدها ما ورد ذات يوم بأمر يقول " يرجى التصعيد في ذكرى الانطلاقة .. ولا مانع من سقوط شهداء".

 

الان أضحى هناك ليس فقط أشكالا جديدة للنضال، بل وطبقة جديدة غير طبقة رأسمال المال وطبقة العمال والفلاحين، طبقة الـ (NGOs) وأصبح هناك شكلا جديدا للنضال هو نضال المقاهي والكوفي شوبات ونضال الانترنيت، ولا أقلل من ذلك مطلقا بقدر من يجب أن يوظف باتجاه احداث تغيير حقيقي وعلى الأرض، أولا بنفض الغبار عن ملابس هؤلاء "المنظرين" والنزول الى الميدان " يا حميدان" والعمل ثم العمل ثم العمل.

 

من لا يعمل لا يخطىء .. مقولة نرددها دوما ، وهي صحيحه، وبالطبع فان الجالس نافثا دخان سيجارته أو أرجيلته ومحتسيا فنجان قهوته ذات مختلف المسميات لن يخطىء طالما أنه لا يعمل ويمارس الوظائف الحياتية الخمسة من "أكل ومرعى وقلة صنعة".

 

ابان احدى حالات الطوارىء ذات عام، عندما ارتدت الارض الطيبة حلتها البيضاء ثلجا، وقدمت هيئات الحكم المحلي جهدا جبارا لآجل تأمين الحاجات الرئيسية لأهل البلد .. كل البلد، وبضمنها تأمين وصول مرضى الفشل الكلوي الى المستشفيات .. سررت أيما سرور من أن هؤلاء "المنظرين" الذين قمنا بفتح الشوارع لهم للوصول الى مقاهيهم لم ينتقدوا، رغم أنهم لم يشيدوا، وساءني جدا أن أحدهم وكان متواجدا خارج البلاد، استخف بالجهود التي بذلت الى أن أقتنع بأنه لولا أن البلدية قامت بفتح الشارع قرب منزله لما تمكنت ابنته من الوصول الى المستشفى عندما "انفجر" كيس مائي عند مبيض لها.

 

غنّى الفنان الفلسطيني مصطفى الكرد ذات يوم سبعينات القرن المنصرم قائلا " بالأمل .. كنا بنزرع ... بالأمل لا زلنا نزرع ... بالأمل راح يجي يوم ... نحمل في ايدينا قمحة .. الأمل .. الأمل .. الأمل .. يصبح حقيقة".

 

اذا هي المعادلة بالأمل والعمل نحقق على الأقل أسس للمجتمع المدني ونعيد اللحمة بين الناس ونعمل لاجل العام بدلا من الانفراد بالجهد لأجل الخاص.

 

في العام  2002 أسس الشاعر الفنان الفلسطيني العكاوي خير فوده فرقة " ولّعت" التي أصدرت عام 2003 البومها الغنائي الأول تحت عنوان "لو شربوا البحر" وانتظرت حتى العام 2006 لتصدر البومها الثاني تحت عنوان "عندي شو ما بدي" وكما تعرف على نفسها فان " فرقة ولعت تكتب كلمات أغانيها وتلحنها وتؤديها بنفسها بأسلوب خاص يمزج بين الاصالة والواقع, وبين النقد المرح والالتزام المتهكم، عبر ألحان دافئة وسلسة تحاكي وضع الناس، الامهم وأحلامهم ومشاكلهم اليومية التاريخية، وتحثهم على البقاء والتغيير الاجتماعي".

 

هل سمعتم أيها الأحبة اغنية فرقة " ولّعت" التي تقول " هز كتافك .. واللي ما شافك .. راح يندم على ماضي سنينو .. حرر حالك .. مد حبالك .. والماضي عن ظهرك شيلو".

 

كتب / خالد بطراوي

مرصد المشرق

المزيد

شؤوون محلية

أقلام وآراء