الجمعة , 20 أكتوبر 2017 - 29 محرم 1439 هـ

حتى لا تكون مجرد ثرثرة على ضفاف النيل

حتى لا تكون مجرد  ثرثرة على ضفاف النيل

#

 ليس في وسع الغزيين الذين يعانون الأمرّين على مدى أحد عشر عاما من كآبة المنظر وسوء المنقلب، رغم كل المحاولات الفاشلة لقَطر سفينة المصالحة الغارقة، إلا أن يستبشروا خيرا، ويمنّوا أنفسهم بتحسن أوضاعهم وانحسار معاناتهم، وأن يتمسكوا بأهداب الامل؛ بنجاح آخر محاولة من محاولات التعويم للغارقين في قاع بحر الظلمات، الذي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، بينما تتنازع الغارقين الفتاوى والأجندات والتوجهات، والتوجيهات، وسط الانحسار التدريجي للخيارات، حتى باتت غزة كلها بمثابة سجن كبير، تتصحر فيه النفوس، وتستبد بسكانه الكوابيس من مستقبل، بات لا يحمل لهم سوى المزيد من ارتفاع معدلات البطالة، والجريمة، والانتحار، واتساع جيوب الفقر، والجهل، وانغلاق الأُفق أمام حياة هادئة هانئة مستقرة.

إذا ما بردت الرؤوس وصفت النفوس من كدر كل تلك السنوات العجاف من عمر الانقسام، فإننا سنسمح هذه المرة لأنفسنا الأمّارة بالمخاوف والشكوك، بحرية الاعتقاد بنجاح المحاولة العاشرة لإنقاذ الغزيين وقَطر سفينتهم الى شاطئ بحر التفاؤل والأمل، لعل وعسى أن تكون "هذه المرة مش زي كل مرة"، وتعود غزة إلى دفء الوطن الواحد الموحد وهو يواجه محاولات التهويد والإلغاء في بيئة إقليمية مضطربة يجري خلالها تقسيم الأوطان بالبلطات والسكاكين تارة، وطورًا بالاستفتاء الذي تخفق على منصاته وفي ساحاته الاعلام الاسرائيلية.

وحتى لا تكون الصدمة من التعثر لا قدر الله، على قدر الأمل بالنجاح والتقدم، فإنه من المفيد هذه المرة عدم المبالغة بالتفاؤل، حتى نرى الاتفاق يشق طريقه بهدوء وأمان بين حقول الألغام المزروعة في أرض رملية رخوة قابلة للانهيار في أية لحظة، وهو قلق تمليه تجارب الإخفاق السابقة، مثلما تمليه تعقيدات ملفات يعرف الموقعون على "اتفاق المضطر" عُقدها وتعقيدات ملفاتها، وصعوبة ايجاد المخارج الآمنة، والحلول العاجلة لها ولاسيما الأمنية منها.

في تفاصيل ما رشح من بين ثنايا الاتفاق ما يرجح بالاعتقاد بعدم التسرع في إطلاق الاحكام المطلقة بالنجاح، ذلك أن عملية تطبيق النصوص، قد تغاير ما يجول في الرؤوس، وما تتكتم عليه النفوس الأمّارة بالسوء، إذا ما حدث وأن تنابز المتفقون الاتهامات بعدم التقيد بنصوص الاتفاقات عند أول مفترق طرق تصله حافلة المصالحة الى ميدان السرايا وسط شارع عمر المختار، أو إلى ساحة الكتيبة، أو ميدان أنصار المجاور حيث المربع الامني الذي تتواجد فيه جميع الاجهزة الامنية للحركة بما فيها جهاز المخابرات، وهو تنابز ما زالت شواهده حاضرة في أرشيف "جوجل" حتى بلغ حد الفجور بالخصومة، بعد الظن بارتفاع منسوب المودة.

وإذا كانت طريق الألف ميل على "أوتوستراد" المصالحة بدأ باتفاق القاهرة2017، فإن الطريق الى اختبار جديّة ذلك الاتفاق يبدأ بالوصول المتوقع لرئيس حكومة الوفاق د.رامي الحمد الله يوم الثلاثاء المقبل الى تل الهوا حيث مقر مجلس الوزراء ليمارس ووزراؤه من هناك إدارة شؤون الوطن وشجونه، على أن يلي تلك الزيارة اجتماع بين طرفي الاتفاق خلال أقل من اسبوعين يجري خلاله مناقشة جميع الملفات العالقة في نفق الانقسام قبل ان يصار لفتح ملف الانتخابات التشريعية والرئاسية ومنظمة التحرير.

إثارة المخاوف والشكوك، ليس تطيرًا من واقع يُتوخى فيه الحذر، أو انتقاصًا من الدور الريادي المصري، بل توجسًا من ارتكاسة في الأداء الوطني، الذي تبدو فيه النجاحات في هذا المضمار، كسراب بقيعه يحسبه الظمآن ماء.. فإذا ما وقع المحظور هذه المرة فعلينا أن نعترف بصراحة ووضوح؛ أن سوء أدائنا هو ألدّ أعدائنا!

كتب ابراهيم ملحم


أضف تعليقك